أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
68
كتاب النسب
إذ كل حيّ نابت بأرومة * نبت العضاة فماجد وكسيد نعطي العشيرة حقها وحقيقتها * فيها نغفر ذنبها ونسود « 1 » وبعد مجيء الإسلام بقيت هذه الشروط ملزمة وواجب توفرها في الفرد الذي يتم اختياره خليفة المسلمين وإمامهم ، مع الاهتمام بالشرط الأول والأساسي ألا وهو النسب ولكن بعد الإسلام أصبح التفاخر بالنسب على أساس القرابة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبناء عليه تكون الأولوية في إمامة المسلمين ، مما فتح باب الصراع على مصراعيه بين بطون قريش من جديد وخاصة بين بني أمية وبني هاشم ، ثم بين بني هاشم وبني العباس فيما بعد فكان له الأثر الكبير على مسار أحداث التاريخ الإسلامي . العرب بين الجاهلية والإسلام هكذا عاش العرب في الجاهلية على شكل قبائل متنافرة لا يعرفون فكرة الأمة ، وإنما كل ما هنالك قبيلة يربط بين أبنائها رباط النسب ، كل قبيلة تتعصب لأفرادها تعصبا شديدا وإن كانوا ظالمين . . ولما جاء الإسلام جمع قبائل العرب تحت لوائه وألف بين قلوبهم وأكد ذلك قوله عز وجل إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً « 2 » . ونقلهم من طور الوحدات السياسية المتعددة القائمة على النظام القبلي إلى طور الوحدة السياسية القائمة على نظام الدولة ، فتفتحت براعم الشعور القومي وأحست شتى القبائل العربية بقوميتها الجامعة فقد خاطبهم اللّه عز وجل بقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ « 3 » . وتكوّن من العرب أمة كانت فيها كل خصائص الأمة : من وحدة ولغة ودين وميول ، ومن وجود حكومة مركزية على رأسها ، قوية عزيزة الجانب . فخضعت القبائل لحكم النبي وأوامر القرآن بعد أن كانوا يدينون لرؤساء متفرقين فأبطل هدر الدماء وألغي حق الثأر وعقابيله وأصبح ذلك منوطا بالدولة لا الفرد والقبيلة . وكان حماس العربي شديدا للإسلام وبذل النفس واستبسل في سبيله حتى دانت قبائل العرب في غالبيتها له وأصبحت ترى في الإسلام رمز وحدتها وشعار مجدها وعزتها . إذن ضعف شأن القبيلة وحل محلها فكرة الأمة وعلا السلطان الإلهي على السلطان القبلي وعلى كل شيء ، وأصبحت الرابطة الدينية هي التي توحد بين الناس وليست رابطة القبيلة والعصبية
--> ( 1 ) المفضليات الضبي القصيدة رقم 104 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية ( 103 ) . ( 3 ) سورة آل عمران الآية ( 110 ) .